ابن كثير
350
البداية والنهاية
وفي مستهل جمادى الأولى ولي قاضي القضاة تاج الدين الشافعي مشيخة دار الحديث بالمدرسة التي فتحت بدرب القبلي ، وكانت دار لوافقها جمال الدين عبد الله بن محمد بن عيس التدمري ، الذي كان أستاذا لأمير طاز ، وجعل فيها درس للحنابلة ، وجعل المدرس لهم الشيخ برهان الدين إبراهيم بن قيم الجوزية ، وحضر الدرس وحضر عنده بعض الحنابلة بالدرس ، ثم جرت أمور يطول بسطها . واستحضر نائب السلطنة شهود الحنابلة بالدرس واستفرد كلا منهم يسأله كيف شهد في أصل الكتاب - المحضر - الذي أثبتوا عليهم ، فاضطروا في الشهادات فضبط ذلك عليهم ، وفيه مخالفة كبيرة لما شهدوا به في أصل المحضر ، وشنع عليهم كثير من الناس ، ثم ظهرت ديوان كثيرة لبيت طاز على جمال الدين التدمري الواقف ، وطلب من القاضي المالكي أن يحكم بإبطال ما حكم به الحنبلي ، فتوقف في ذلك . وفي يوم الاثنين الحادي والعشرين منه ، قرئ كتاب السلطان بصرف الوكلاء من أبواب القضاة الأربعة فصرفوا ( 1 ) . وفي شهر جمادى الآخرة توفي الشيخ شمس الدين شيخ الحنابلة بالصالحية ويعرف بالبيري يوم الخميس ثامنه ، صلي عليه بالجامع المظفري بعد العصر ودفن بالسفح وقد قارب الثمانين . وفي رابع عشر منه عقد بدار السعادة مجلس حافل اجتمع فيه القضاة الأربعة وجماعة من لمفتيين ، وطلبت فحضرت معهم بسبب المدرسة التدمرية وقرابة الواقف ودعواهم أنه وقف عليهم الثلث ، فوقف الحنبلي في أمرهم ودافعهم عن ذلك أشد الدفاع . وفي العشر الأول من رجب وجد جراد كثير منتشر ، ثم تزايد وتراكم وتضاعف وتفاقم الامر بسببه ، وسد الأرض كثيرة يمينا وشمالا ، وأفسد شيئا كثيرا من الكروم والمقاني والزروعات النفيسة ، وأتلف للناس شيئا كثيرا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . وفي يوم الاثنين ثالث شعبان توجه القضاة ووكيل بيت المال إلى باب كيسان فوقفوا عليه وعلى هيئته ومن نية نائب السلطنة فتحه ليتفرج الناس به : وعدم للناس غلات كثيرة وأشياء من أنواع الزروع بسبب كثرة الجراد ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فتح باب كيسان ( 2 ) بعد غلقه نحوا من مائتي سنة وفي يوم الأربعاء السادس والعشرين من شعبان اجتمع نائب السلطنة والقضاة عند باب
--> ( 1 ) يعلل المقريزي هذا الاجراء في السلوك 3 / 92 بقوله : " لكثرة خداعهم ومكرهم وتحذلقهم في تنور الشرور " . ( 2 ) باب كيسان : هو أحد أبواب سور دمشق ، ويقع في الزواية الشرقية الجنوبية منه ، وينسب إلى كيسان - مولى معاوية فيما قيل . وهو على بعد خطوات من مدافن المسيحيين بالقرب من قبر بلال الحبشي ، وقد كان مغلقا منذ أكثر من مئتي عام بأمر العادل نور الدين محمود لأمر اقتضى ذلك ( النجوم الزاهرة 11 / 26 ) .